رسالة شهرية تصدر عن مجمع الشيخ عبد الله الأنصاري للقرآن الكريم وعلومه تتناول قضية من قضايا المجتمع ترصدها وتحاول أن تضع لها حلول وتم نشرها بجريدة الوطن بتاريخ 19 من المحرم 1437هـ الموافق 1 نوفمبر 2015م

الرسالة:

تكنولوجيا الطلاق

الرحمة والعدل من أعظم خصائص الإسلام، بل هما من أهمِّ مزايا الإنسانية، وبضياعهما يغيب الإسلام، وتسقط الإنسانية، والتعبير القرآني يرينا عظمة هذين، وضرورة بروزهما عملاً وسلوكاً في الخاصِّ من أمورنا والعام.

فهل استطاعت الحياة في ظل ادعاء الحضارة والرقي والسبق العلمي الذي لم يتح للإنسانية من قبل الاحتفاظ بهما، واستثمارهما؟

وما حظ المسلمين منهما وقد نزل فيهم ((رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)) الفتح (29)

وقوله تعالى:

((إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ)) ؟   النحل (90)

إن مقتضى الإسلام أن يكونَ كل مسلم رحمة وعدلاً مع نفسه وأهله والخلق أجمعين، حتى مع الحيوان والطير، فهل تحقق فينا ذلك أو شيء منه؟

تعالوا إلى واقعنا، وشاركوني في إصدار الحكم، أو خالفوني.

الزواج نعمة النعم، وبناء أسرة على شرع الله تعالى منة مَنَّ الله بها على عبده، والنعمة تشكر، ولاتُكْفَرُ، وتصان، ولاتهدر؛ لتحيا هذه الخلية حياة طيبة مباركة، يحوطها الله تعالى برعايته، ويعليها بعنايته؛ فهو القائلُ وقوله الحق: (( لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)) ابراهيم (7)

وعقد الزواج أوثق العقود، وهو عقد أبدي، لا تزيده الأيام بعسرها ويسرها إلا قوة، ولا تورث الأحداث حلوها ومرها الزوجين إلا ثباتا وتماسكا، وعلى كل زوجين أن يقرَّا بذلك، ويعملا من أجل تحقيقه، صدقاً مع الله تعالى، وحفاظاً على خيرية الأمة.

وتبصرة لأولي الألباب، وحرصاً عليهم أعلى الله عقد الزواج، وميزه، وأكده، ووثقه، قال تعالى:

((وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا)) النساء (21)

وإذا كان الزواج نعمة ومنَّةً وآية من آيات الله فماذا يكون الطلاق؟

يقول الصادقُ المصدوق صلى الله عليه وسلم:

((أبغضُ الحلالِ إلى اللهِ الطلاقُ)) رواه ابو داود وابن ماجه

ويقول الكمال بن الهمام: ((وقد شُرِع للخلاصِ عند تباين الأخلاق، وعروض البغضاء الموجبة عدم إقامة حدود الله تعالى، والأصح حظره إلا لحاجة، فإذا لم تكن حاجة فهو محض كفران نعمة، وسوء أدبٍ، فيكره)) فتح القدير

وفي كلِّ الأحوال إذا أوقعه الزوج على الوجه المشروع في إيقاعه وقع، وكان آثما في حالة الكراهة التحريمية.

وإذا أوقعه على الوجه غير المشروع كان حراماً.

وقد ذهب فريق من علماء السلف والخلف إلى تحريمه، لأنه ضرر بالزوج نفسه والزوجة، وإهدار للمصلحة الحاصلة لهما، وإعدام لمصلحة الأمة بعد قيام أسرة تأمل الأمة فيها خيراً.

وهو رأي فيه وجاهة؛ لأن المسلم إذا اقتنع بحرمة الطلاق فإنه يتورع عن إيقاعه مخافة الإثم.

ويراجع نفسه مرات؛ خشية تجاوز حدود الله تعالى.

ولنتأمل قول شيخ الإسلام ابن تيمية: ((لولا أن الحاجة داعية إلى الطلاق لكان الدليل يقتضي تحريمه، كما دلت عليه الآثار والأصول، ولكنَّ الله أباحه رحمة منه بعباده لحاجتهم إليه أحياناً))

وانظر كيف ربطه شيخ الإسلام بالحاجة التي يدعمها الشرع والعقل، ويؤكدان ضرورة الاستجابة لها.

هذا في أمورنا العادية، وأحوالنا التي تنشأ بعد عشرةٍ قدر لها أن تكون، ولكن الواقع المعاصر المرّ يفاجئنا بوقائع تثير العجب، وتوقع العامة والخاصة في حيرة.

إن شبابنا ــ للأسف ــ أحدثوا تكنولوجيا الطلاق وكنا نودها منهم في غير ذلك ، إن لمسة بأنملة الإنسان تريه أقصى العالم في لحظة أو أقل، كذلك كان الطلاق التكنولوجي.

زواج عصري، لا أثر للإسلام فيه ، ولا للخلق الكريم حظ فيه.

إنه زواج وطلاق لا أدري: بم أصفهما؟ و لا كيف أصنفهما؟

إذا دام شهراً يكون قد طال (من الهلال إلى الهلال)، وقد يبدأ مع الهلال، ويأتي الطلاق مع المحاق، وهكذا تتناقص أيام ما يسمى نكاحاً، حتى حدثت الطلقات التكنولوجية صبيحة ليلة الزفاف.. فضيحة وعار وعبث واستهانة بشرع الله تعالى، الزينات لازالت معلقة، ولكن على المهنئين والمهنئات أن يسرعوا بالتعزية والمواساة، لا بالتهنئة والتبريك، يستوي في ذلك أهل الزوج وأهل الزوجة، ومصيبة الزوجة أعظم وأكبر، ومستقبلها، بل ومستقبل المطلق أسوأ وأقبح.

ولي وقفة مع زوج اللمسات السحرية التي فاقت تكنولوجيا العصر بكثير.

زوج الأمس مطلق اليوم: أذهبت أنت إلى ولي الزوجة، أم ذُهِبَ بك إليه؟

إن كان قد ذُهِبَ بك فماذا أقول للمصاحب والخاطب؟

وإن كنت قد ذهبت فماذا كانت دوافعك؟

وما محركاتك لاختيار هذا البيت، والحرص على طلب هذه الزوجة من وليها؟

أليس الأمر كما قال صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات))؟

فعلام ارتكزت خطواتك حين توجهت إلى هذه الأسرة؟

أتعلم ــ أيها الزوج ــ أن المودة والرحمة ليستا قاصرتين على الزوجين، بل الأصل أن تُظِلاَّ أهلك وأهلها؟

فماذا نقول فيك، وقد وأدت المودة والرحمة، وأشعلت العداوة والبغضاء بين الأسرتين؟

بم أتحفت ــ أيها الصهر ـــ البيت الذي آثرك، والرجل الذي وضع يده في يدك، والأم التي باركت، والإخوة الذين استبشروا بك، بل ماذا أهديت لكل من له صلة بزوجة الليلة أو الليالي؟

وفوق ذلك كله: أأوقفت نفسك بين يدي الله تعالى، وذكرتها، وأوضحت لها مسؤوليتك تجاه العلي الأعلى الذي شرع الزواج، وأحلَّ لك هذه بعد حرمة؟

أقرأت في سورة الطلاق: ((وَاتَّقُوا اللَّـهَ رَبَّكُمْ))    الطلاق (1)

وقوله تعالى: ((وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا))   الطلاق (2)

وقوله جل شأنه: ((وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا)) الطلاق (5)

أترى في موقفك ما يؤكد التقوى؟

أراعيت حدود الله حين ألقيت بهذه القذيفة المدمرة؟

إن في نفس السورة: ((وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّـهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ))   الطلاق (1)

أأنت وقَّافٌ عند حدود الله تعالى أم متجاوزٌ لها؟

أحرصت في قرارك على أن تكون من هؤلاء ((رحماء بينهم)) فرحمت الزوجة وأهلها؟

أعدَلْتَ فأتمَرْتَ بأمر الله تعالى (( وإذا قلتم فاعدوا))؟

أما مرَّ بك (( استوصوا بالنساء خيراً)) ؟    متفق عليه واللفظ لمسلم

هل استوصيت؟ وماذا سقت إليها؟ وإلى أهلِها وأهلك؟

أما سمعت قول المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم:

((فإنما أخذْتُمُوهُنَّ بأمانةِ اللهِ، واستَحْلَلْتُمْ فروجَهُنَّ بكلمتِهِ))؟

فماذا فعلت بأمانة الله تعالى؟ وبم وقرت كلمته؟

هبْ أن تلك الزوجةَ أختك، أترضى مثل هذا لها؟

أتوافقُ أن يدخل البيت الذي نشأت فيه مثل الذي أدخلته بيت من آثروك وفضلوك؟

إن قذيفة أبغض الحلال إلى الله قطعت الوشائج التي نهض بها، وأعلاها العقد.

الطلاق قد تلجئ إليه ــ فيما أرى ــ ضرورة، شأنه شأنُ أكل الميتة للمضطر.

الطلاق بتر عضو من أعضاء إنسان لمبررات طبية توقنُ أن البتر لا بديل له وليتأمل العاقل متى يقدم الإنسان السوي على أكل ميتة؟

ومتى يفرط في عضو من أعضائه ليودع القبر قبله؟

الطلاق ــ كما عرفنا أو كما ينبغي أن نعرف ــ هو كما قيل: (آخر الدواء الكي).

فمتى يسلم الإنسان جسمه لمن يشوهه بالنار؟

هل الإسلام الذي ارتضاه الله تعالى لنا ديناً يرضَى من المسلم العبث بالمسلمات، وتحويل من يستطيع منهن إلى مطلقات كثيراً ما يكن غير مرغوب فيهن، وتحوطُهنَّ موجاتٌ طاغية من التساؤلات التي ترجح البعد عنهن في أغلب الأحيان؟

إن الإسلام أجل وأعظم من هذا.

أليس مما يزرع القلق من الطلاق في مجتمعاتنا الإسلامية أن تكون نصف أعمار المطلقات عند الطلاق يتراوح ــ تقريبا ــ بين (18، 30) عاماً، وممَّا يزيد الأسى والأسف أن أكثرهن جامعيات، أو حاصلات على مؤهل متوسط؟

أتفترض لهن العصمة، وقد دخل الفساد حقيبة الفتاة والمرأة وجيب المراهق والشاب، بل الشيب أيضاً؟

إلام تصل بهن رحلة العزوبة بجفافها وقسوتها؟

وعلماؤنا قبل عامتنا مسؤولون أمام الله تعالى عنهن.

ألقاه في اليمِّ مكتوفاً وقال له إياكَ إياكَ أنْ تَبْتَلّ بالماءِ

أليس حالهن كحال من قيل فيه:

ألا يرى القضاءُ الشرعي في تطليق الرجل زوجته لغير سبب، أو لأسباب واهية جوراً وتعنتاً؟

لابدَّ من وضع رادع يحد من هذا العبث (الطلاق التعسفي)؟

ولنذكر دائما أننا في عالم صارت فيه العفة جموداً، والحياء تخلفاً، وأصبح العري حضارة، والتبذل تطوراً، وإهدار الفضيلة تحرُّراً ورقياً.

إن من أضفت إلى قائمة المطلقات ليست غريبة عنك، فهي قبل الزواج أخت مسلمة، لها حق الإخاء الإيماني.

ألم يقل الله تعالى: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)) ؟    الحجرات (10)

أم أن عصر الرقي والتحرر ــ كما يقولون ــ أخرجها من تلك الدائرة النورانية التي هي أرقى بكثير وأبقى من أخوة النسب؟

فماذا يكون الحال وقد صرتما نفساً واحدة، وأقمتما أسرة واحدة أنتما عمادها؟

إننا إذا أضفنا أخوة الإيمان إلى حقوقها كزوجة صار الوفاء بذلك يحتاج إلى همة عالية توقعها أهلها فيك.

فهل أكدت لهم وللمجتمع صدق توقعاتهم؟

إن أشد ما أخشى أن يظن شبابنا أن الزواج عقد ورقي، وولائم يدعى لها القاصي والداني، وكثيراً ما يتحمل الآباء العبء كاملاً دون أن يكلفوا الابن الزوج شيئاً من تلك الأعباء، أما النكاح بالتزماته ومسؤولياته التي شرعها الإسلام، وحد حدودها فأكثر شبابنا عنها غافلون، ولذا كان من اليسير أن يُسرع إلى اللسان لفظ الطلاق، ما أشأمه!

إنها كلمة غير أنها جناية يجني آثارها المجتمع؛ حتى عُرِفَتْ مجتمعاتنا الإسلامية بأنها مجتمعات الطلاق.

وأرشيف المطلقات يربو، ويلفح لظاه أكثر الأسر.

إذا ــ لا قدر الله تعالى ــ تناسى العلماء والمشرعون هذا الداء العضال (الطلاق) فعما قريب يتضاعف الجنى المرُّ، ويشيع الانفلات، ويقض هذا الداء الخبيث مضاجع أجيالنا المقبلة، فلا يجدون غير الضياع والدمار.

ولست مع من يقول: إنه حق الرجل، إنه حقٌّ لكنه غير مطلق إنما يحتاج إلى رشاد وحكمة ومراجعة، ويمكن إدراك ذلك بسهولة عند مراجعة مواقف العلماء، ومدارسة آراء السلف والخلف منهم.

لابدَّ من إعادة صياغة مناهج الفقه الدراسية ــ إن كانت هناك مناهج تتناول الطلاق ــ حتى لا يشب أبناء الإسلام على أن الطلاق مباح، وماهو بمباح.

الله الله في المسلمات يا علماء الإسلام ليس هناك ما يتطلب الوقوف له كتلك الظاهرة.

إننا حين ندعو أئمتنا العلماء وقضاة الشريعة إلى اتخاذ موقف، والاجتهاد في إنقاذ بنات الأمة ونسائها، وترشيد شبابها فإنما ندعو لصيانة جانب كبير له أهمية عظيمة، في حياة الأمة الوسط، وليس في هذه الدعوة بأي حال من الأحوال طلب مخالفة الشرع، أو تحميل نصٍّ فوق ما يتحمل، إنها دعوة إلى الغوص في تراثنا الفقهي، وسيجد فيه الباحثون متسعاً لعلاج ما نحن بصدده؛ لأن المشرع الحكيم أعطى الرسالة الخاتمة ما يجعلها صالحة لكل مكان وزمان.

أما مركز الاستشارات العائلية ــ وقد أولته الدولة اهتماماً، ويقوم بدور عظيم في التصدي للمشكلات الأسرية ـــ فأرى أن يكون من ثبوتيات عقد الزواج شهادة منه بحضور الزوجين دورة تأهيل للحياة الأسرية، وقد تمثل فيهما، الالتزام والحرص والرغبة الصادقة في التعرف على ما يقيم الأسرة، ويدعمها، ويزيدها ثباتاً وقوة.

وأنا واثق تمام الثقة أن المركز يختار محاضريه على أعلى المستويات ممن هم أعظم إيماناً برسالتهم، وأقدر على الإقناع.

الأمر جد خطير وقد فاحت رائحته المقززة، فلا تدعوه يصحب الأجيال، ويورثها ميول الهدم السريع (أو الهدم باللمس) لما يبتني من أسر.

والله الهادي إلى سبيل الرشاد

122